يستعد حرير بورصة، ذو الأهمية البالغة لصناعة النسيج التركية، للعودة بقوة. وقد ساهم المؤشر الجغرافي الذي منحه مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية التركي عام ٢٠١٩ في جعل حرير بورصة علامة تجارية عالمية.
ولا تزال بورصة مركزًا لتربية دودة القز.
ويعود تاريخ تربية دودة القز في بورصة إلى أواخر العصر البيزنطي، عندما سيطر العثمانيون على تجارة الحرير في المدينة. ولعب نسج الحرير دورًا هامًا في الأناضول، وقد أثبت حرير بورصة، على وجه الخصوص، جدارته في السوق العالمية بجودته العالية. إلا أنه في أعقاب الأزمة الاقتصادية عام ١٩٩١ وما نتج عنها من ارتفاع في تكاليف العمالة في تركيا، اتجه تجار سجاد الحرير في هيريكه وقيصري أولًا إلى الصين، ثم إلى أوزبكستان. ومع مرور الوقت، كاد قطاع الحرير في بورصة أن يختفي تمامًا. ولحسن الحظ، بدأت المشاريع والمبادرات الأخيرة التي أطلقتها بلدية بورصة الكبرى في تغيير هذا المسار.
لطالما اعتُبر الحرير عنصرًا أساسيًا في صناعة النسيج العالمية.
الحرير، هبة الطبيعة للبشرية
يُعتبر الحرير، الذي اعتمدته صناعات النسيج والأزياء والسجاد كمادة خام فريدة تُستخدم في إنتاج أقمشة الأزياء والخيوط، عنصرًا أساسيًا في قطاع النسيج العالمي. وإلى جانب استخدامه في صناعة السجاد، يُستخدم الحرير، وهو ألياف طبيعية قابلة للتحلل الحيوي، على نطاق واسع في صناعة النسيج العضوي في صناعة الملابس والمنسوجات المنزلية، وفي المجال الطبي كخيوط جراحية.
يُساهم استخدام الحرير العضوي في حماية التربة والمياه من خلال تجنب استخدام المبيدات الكيميائية السامة، مما يدفع العلامات التجارية الصديقة للبيئة في مجال النسيج والملابس إلى التعامل مع موردين يُدركون أهمية البيئة.
من الشرنقة إلى النسيج
نظمت بلدية بورصة الكبرى الدورة الثالثة من مهرجان "من الشرنقة إلى النسيج" الدولي للحرير في بورصة خلال الفترة من 1 إلى 4 سبتمبر 2022، بهدف تعريف رواد صناعة الحرير العالمية بحرير بورصة، بمشاركة جميع المهتمين الراغبين في معرفة المزيد عن حرير بورصة. خلال فعاليات المهرجان، أتيحت الفرصة للزوار الدوليين، بمن فيهم فنانو الحرير من أذربيجان وقبرص وكازاخستان وقيرغيزستان، بالإضافة إلى فناني الحرير الأتراك، لتبادل آرائهم مع ممثلي الصناعة، بما في ذلك موردي الحرير وشركاء التوريد. وقدّم المهرجان للزوار فرصة مشاهدة عملية إنتاج الحرير من شرانق النحل عن كثب، إلى جانب ورشة عمل لنسج أقمشة الحرير وورشة أخرى لنسج السجاد الحريري التقليدي. كما عُرضت ورشة غزل الحرير التي استخدمها العثمانيون قبل 680 عامًا. وأبدى السكان المحليون اهتمامًا كبيرًا بالمهرجان، حيث أتيحت لهم فرصة المشاركة في ورش عمل متنوعة نظّمها خبراء الحرير.
ستعود الأيام الخوالي قريبًا
فيما يلي قصة ملهمة عن الجهود المبذولة لإحياء صناعة الحرير في بورصة، المدينة المدرجة على قائمة اليونسكو للمدن الحية بفضل منتجاتها الحريرية. تشهد كلمات محمد أونال، مدير الإنتاج ومنسق مشروع مركز أوموربي لإنتاج وتصميم الحرير التابع لبلدية بورصة الكبرى، على تفاني سكان المدينة في إحياء صناعات تربية الحرير ونسجه في المدينة والقرى المحيطة بها.
وقد حقق مشروع إحياء حرير بورصة، الذي أطلقته بلدية بورصة الكبرى عام ٢٠١٣ بهدف استعادة حرير بورصة إلى سابق عهده، هدفه بنجاح في نقل إرث يمتد لأكثر من ٧٥ عامًا إلى الأجيال الشابة.
إحياء إنتاج ونسج الحرير
أولًا وقبل كل شيء، حقق مشروع إحياء حرير بورصة، الذي أطلقته بلدية بورصة الكبرى عام ٢٠١٣ بهدف استعادة حرير بورصة إلى سابق عهده، هدفه بنجاح في نقل هذا التراث العريق، الذي يمتد تاريخه لأكثر من ٧٥ عامًا، إلى الأجيال الشابة. وقد تم إنجاز الخطوات الهامة التالية في إطار المشروع حتى الآن:
• تم ترميم بساتين التوت المهجورة في بورصة ومحيطها.
• أُنشئت بساتين توت جديدة في مناطق بعيدة عن مواقع رش المبيدات الزراعية.
• أُعيد افتتاح مصنع مرادية للحرير التاريخي، الذي تأسس عام ١٧٩٠ كأول مصنع للحرير في الإمبراطورية العثمانية.
• أُعيد بناء مركز أومورباي لإنتاج وتصميم الحرير، الذي تأسس عام ١٨١٠.
• تم تحديد المدارس المهجورة في ١٦ قرية محيطة بالمصانع، وجُدّدت بدعم من وزارة التربية الوطنية. • حُوّلت مدرستان من هذه المدارس إلى ورش عمل لنسيج الحرير، وأربع إلى ورش عمل لسجاد الحرير.
• تلقى ٢٦٠٠ شخص تدريبًا في نسج سجاد الحرير.
• تلقى ٧٦٠ شخصًا تدريبًا في نسج أقمشة الحرير.
• تم تدريب ٦٣ خبيرًا في الحرير، ونحو ٥٠ عاملًا شبه ماهر.
• يعمل حاليًا 16 فنانًا حكوميًا مسجلين لدى وزارة الثقافة والسياحة في مركز أومورباي لإنتاج وتصميم الحرير. قبل هذا المشروع، لم يكن هناك أي حرفيين شباب متخصصين في صناعة الحرير.
أطلقت بلدية بورصة الكبرى، بالتنسيق مع جامعة أولوداغ ومجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي (توبيتاك)، مشروع الخيوط الجراحية في عام 2017. وقد أُنجز 60% من المشروع، والخطوة التالية هي إجراء التجارب السريرية على البشر.
**إنتاج الخيوط الجراحية محليًا**
ثانيًا، وللحد من اعتماد تركيا على المصادر الأجنبية للخيوط الجراحية، أطلقت بلدية بورصة الكبرى، بالتنسيق مع جامعة أولوداغ ومجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي (توبيتاك)، مشروع الخيوط الجراحية في عام 2017. ومع إنجاز 60% من المشروع، تتمثل الخطوة التالية في إجراء التجارب السريرية على البشر والحصول على التراخيص وبراءات الاختراع اللازمة للخيوط الجراحية المزمع إنتاجها. مع اكتمال المشروع، ستمتلك تركيا مصنعها الخاص للخيوط الجراحية، وسيصبح حرير بورصة منتجًا استراتيجيًا، مما يُسهم في الحفاظ على موارد الحرير التركية.
إعادة إحياء سجاد حرير هيريكي
وبالمثل، أطلقت بلدية بورصة الكبرى سلسلة من المشاريع لتمكين سجاد حرير هيريكي ذي الشهرة العالمية من استعادة قدرته التنافسية في سوق الحرير العالمي. وبناءً على ذلك، تُبذل جهود حثيثة لإعادة نسج سجاد حرير هيريكي في المنطقة كما كان في السابق. وتعود الجودة العالية لسجاد حرير هيريكي إلى كونه مصنوعًا بالكامل من حرير بورصة، الذي كان معفيًا من الضرائب في أوروبا لسنوات عديدة خلال العهد العثماني.
وبفضل هذه الجهود والمبادرات، وجد قطاع النسيج والملابس في تركيا، وكذلك قطاع السجاد، فرصًا لدمج المزيد من حرير بورصة في منتجاتهم. وسيؤدي ازدياد استخدام هذا التراث القيّم من قِبل الموردين الأتراك إلى توفير تشكيلة أوسع من المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى، مما يُساعدهم على توسيع أسواق التصدير.